في أعماق أرض بوعرفة القاحلة، على بعد كيلومترين فقط من الشريط الحدودي الشرقي للمملكة، لم يكن سقوط شاب في العشرينيات من عمره داخل أحد المناجم التقليدية مجرد حادث عرضي، بل كان صرخة مدوية كشفت عن مأساة جيل بأكمله. فاجعة هزت إقليم فجيج وأعادت تسليط الضوء على مفارقة مريرة: كيف يمكن لمنطقة تساهم في جعل المغرب ثالث أكبر مصدر عالمي لمعدن الباريت، أن يعيش شبابها على حافة الموت بحثاً عن لقمة عيش لا تكاد تسد رمقهم؟
الباريت، أو “الذهب الأبيض” كما يُعرف في الصناعات الثقيلة، هو معدن استراتيجي يُستخدم بشكل أساسي في عمليات التنقيب عن النفط والغاز حول العالم. ووفقاً لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، يتنافس المغرب سنوياً مع الهند على المركز الثاني عالمياً في إنتاج هذا المعدن خلف العملاق الصيني، حيث يوجه إنتاجه بشكل شبه كامل للتصدير إلى أسواق كبرى مثل الولايات المتحدة والنرويج وهولندا. هذه الأرقام الضخمة ترسم صورة لدور المغرب كلاعب أساسي في سوق الطاقة العالمي، لكنها الصورة التي تتلاشى تماماً عندما تصل إلى بلدة بوعرفة، قلب منطقة الإنتاج النابض.
هنا، على بعد 100 كيلومتر من تندرارة، يعيش حوالي عشرين شاباً قصة مختلفة تماماً. بعيداً عن أروقة البورصات العالمية حيث يُسعّر الباريت، يخوض هؤلاء الشباب معركة يومية مع الصخور والمخاطر. عملهم لا يتطلب شواهد جامعية، بل قلباً جسوراً وقدرة على تحمل ظروف عمل بدائية تفتقر لأبسط معايير السلامة. الفقيد كان واحداً منهم، انضم إلى قافلة “المجازفين” الذين يهبطون إلى باطن الأرض، مسلحين بأحلام بسيطة وآمال عريضة، ليواجهوا مصيراً مجهولاً.
المشكلة لا تكمن في العمل نفسه، بل في الإطار الذي يحيط به. فمنذ عام 2009، جمدت “الكادستر”، المؤسسة المسؤولة عن قطاع المعادن، منح رخص الاستغلال الصغرى للشباب. قرار إداري أغلق في وجوههم الباب القانوني، ودفعهم قسراً نحو القطاع غير المهيكل، حيث يصبح كل شيء مباحاً وخطيراً. حتى استخدام “البارود”، المادة الأساسية لتفتيت الصخور، يتطلب ترخيصاً من السلطات يكاد يكون الحصول عليه مستحيلاً، مما يضاعف من صعوبة ومخاطر عملهم.
في قلب هذه المعادلة المعقدة، تقف شركة “كومبار” كعملاق يسيطر على المشهد. يوجه شباب المنطقة أصابع الاتهام مباشرة إليها، معتبرين أنها تستنزف ثروات أرضهم دون أن تقدم أي مقابل حقيقي. “إنها شركة ضخمة تستفيد من أفضل الرخص وأكبر المناجم، لكنها لا تساهم في تنمية المنطقة ولا توفر فرصة عمل واحدة لأبنائها”، يقول أحد شباب المنطقة بمرارة، مضيفاً: “نريدها أن تفتح أبوابها للتشغيل، فمن غير المعقول أن نظل متفرجين على خيراتنا وهي تُشحن بعيداً”.
الصمت هو سيد الموقف بعد الفاجعة. حتى هذه اللحظة، لم يصدر أي تحرك رسمي من الجهات المسؤولة، وعلى رأسها المديرية الجهوية للطاقة والمعادن هذا الصمت الرسمي يراه الشباب تجاهلاً لمعاناتهم واستخفافاً بأرواحهم، ويزيد من حالة الاحتقان والغضب.
مطالبهم اليوم لم تعد همساً، بل أصبحت صرخة واضحة ومحددة. هم لا يطلبون صدقة، بل حقاً مشروعاً. يريدون فتح باب التراخيص مجدداً ليعملوا في إطار قانوني وآمن. يطالبون بخلق فرص شغل دائمة تضمن لهم كرامتهم. ولا يتوقف الأمر عند قطاع المعادن، بل يمتد ليشمل شعورهم بالتهميش التنموي الشامل، حيث يطالبون باستفادة عادلة من برامج “المخطط الأخضر”، الذي يبدو كأنه حلم بعيد لم يصل بعد إلى هذه الربوع المنسية من الوطن.
بينما تُشحن أطنان الباريت من بوعرفة لتساهم في دوران عجلة الاقتصاد العالمي، يبقى شبابها عالقين في حلقة مفرغة من الفقر والمخاطرة. وفاة رفيقهم لم تكن النهاية، بل قد تكون البداية لصحوة جيل يرفض أن يموت صامتاً فوق كنز لا يرى منه إلا غباره، ويسأل سؤالاً واحداً موجعاً: إلى متى سيبقى “ذهبنا الأبيض” مأساتنا السوداء؟