وجدة – عزالدين ميساوي
مع كل خيط شمس يغيب في “عاصمة الشرق” وجدة خلال شهر رمضان، تُبسط موائد إفطار طويلة وتُوزع قفف مساعدات لا حصر لها، في مشهد يبدو في ظاهره قمة التكافل الاجتماعي، لكنه في عمقه يثير عاصفة من التساؤلات الحارقة التي تقض مضجع الشارع الوجدي. إن السؤال الذي يتردد اليوم في المقاهي والبيوت ليس عن “بنة” الحريرة، بل عن “رائحة” السياسة التي تفوح من خلف هذه المبادرات الحاتمية؛ فهل نحن أمام “صدقة جارية” لوجه الله، أم أمام “حملة انتخابية جارية” تشتري الولاءات بقطع التمر وكؤوس الحليب؟
المثير للاستغراب هو هذا السخاء الذي ينفجر فجأة مع اقتراب المواعيد السياسية، حيث تطل علينا وجوه غابت لسنوات، لتتمسح بعباءة الجمعيات الخيرية وتتصدر مشهد توزيع المعونات تحت أضواء “الفلاشات”. إن تحول حاجة الفقير إلى مادة دسمة لـ “الماركتينغ السياسي” وتوثيق لحظات تسليم المساعدة بالصور والفيديو، يسقط القناع عن النوايا الحقيقية، ويحول العمل الإنساني من قيمة روحانية إلى “دعاية سابقة لأوانها” تستهدف استمالة القلوب قبل صناديق الاقتراع.
والأخطر من ذلك هو الغموض الذي يلف مصادر تمويل هذه الإفطارات الضخمة والقفف المليونية؛ فمن أين تأتي كل هذه الأموال في مدينة تعاني من ركود اقتصادي واضح؟ وهل هي أموال محسنين حقيقيين يتم استغلال أسمائهم لتلميع صور “سماسرة الانتخابات”، أم أنها “جيوب سياسية” تضخ المال لاستثمار الجوع في صناعة الصوت الانتخابي؟ إن غياب الشفافية في تتبع ميزانيات هذه المبادرات يضع الجهات الرقابية أمام مسؤولية تاريخية لضبط ما يمكن تسميته بـ “الرشوة المقنعة” تحت مسمى “إفطار الصائم”.
إن كرامة الوجديين لا يجب أن تكون وقوداً لطموحات أي كان، والخير الذي لا يظهر إلا في رمضان ولا يُوثق إلا بالكاميرات هو خير “مشبوه” في نظر الكثيرين. فمتى تنتهي هذه المسرحية الموسمية التي تستغل “الروحانيات” لتحقيق مكاسب “سياسوية” ضيقة؟ وهل ستظل وجدة رهينة لسياسة “القفة” التي تظهر مع الهلال وتختفي مع انقضاء موسم الصيد الانتخابي؟ الأسئلة ستبقى معلقة فوق طاولات الإفطار، والجواب الحقيقي يملكه المواطن الذي سئم من “حلول ترقيعية” تغنيه ليوم وتتركه في فقر لبقية العام.

