تختزل حالة الرضيع “يونس”، الذي لم يتجاوز ربيعه التاسع، فصول مأساة إنسانية واجتماعية عميقة ترخي بظلالها على ردهات المستشفى الجامعي محمد السادس بوجدة، حيث يواجه هذا الصغير خطر فقدان البصر بصفة نهائية إثر إصابته بمرض “الجلالة” في كلتا عينيه. وقد بدأت فصول المعاناة يوم أمس الخميس، حين حضرت والدته المغلوبة على أمرها في موعد طبي محدد لإجراء التحاليل المخبرية اللازمة، وهي العملية التي تطلبت بقاء الرضيع في حالة صيام تام منذ الصباح الباكر استعداداً لاحتمال ولوج “البلوك”، إلا أن الانتظار امتد لساعات طويلة دون جدوى، وسط تبريرات اعتبرتها العائلة غير مقنعة، وهو ما أثار موجة من الاستعطاف والتضامن الكبير من طرف المرضى والمواطنين الحاضرين الذين آلمهم مشهد الرضيع المنهك، ليُجبر في النهاية على المبيت داخل أسوار المستشفى.
وبعد ليلة من الترقب، شهد صباح اليوم الجمعة الانفراجة المرجوة، حيث تم إدخال الرضيع يونس أخيراً إلى غرفة العمليات (البلوك) لمباشرة الفحوصات المجهرية الدقيقة تحت التخدير، وهي الخطوة التي أبانت فيها مصلحة طب العيون عن روح مهنية عالية وعمل جاد يستحق التنويه. فقد أظهر الطاقم الطبي حرصاً كبيراً في التعامل مع هذه الحالة التي تبين أنها من الحالات الطبية النادرة والمعقدة، مما استوجب برمجة فحص للرنين المغناطيسي IRM الأسبوع المقبل كخطوة استباقية لا محيد عنها قبل إجراء العملية الجراحية، لضمان دقة التدخل وتفادي أي مضاعفات قد تنتج عن خصوصية هذه الحالة لدى الرضع في هذا السن.
إن ما يزيد من قتامة المشهد في حالة الرضيع يونس هو وضعه الاجتماعي الضعيف؛ فأمه تسعى في الشوارع لتأمين لقمة العيش وتعيش ظروفاً مادية قاسية، كما تفتقر لأي دخل قار أو تغطية صحية (AMO)، مما يجعل المستشفى الجامعي ملاذها الوحيد والأخير لإنقاذ فلذة كبدها. وتبقى الآمال معلقة الآن على استكمال المسار العلاجي المبرمج الأسبوع المقبل، بعيداً عن أي تعقيدات إدارية قد تهدد حق هذا الرضيع في الرؤية، خاصة وأن حالته النادرة تتطلب تكافلاً حقيقياً ومواكبة إنسانية تتجاوز لغة المساطر، إبراءً للذمة وحمايةً لهذا الحق البشري الأساسي في الصحة والعيش الكريم.
