شهدت الأوساط الأدبية والأكاديمية صدور الرواية الجديدة للكاتبة والطبيبة المغربية انتصار حدّية تحت عنوان “شاشة الأوهام”، وهو العمل الذي يأتي ليعزز مساراً إبداعياً متفرداً يجمع بين صرامة الممارسة الطبية ورقة السرد الروائي. فالدكتورة انتصار حدّية، التي تشغل منصب أستاذة للتعليم العالي بكلية الطب بوجدة والمتخصصة في أمراض الكلى، والحاصلة على دكتوراه الدولة في المسؤولية الاجتماعية في مجال الصحة، لم يمنعها انشغالها بالبحث الأكاديمي وريادة الأعمال الاجتماعية من خوض غمار الكتابة بتمز، بل جعل من قلمها “مبضعاً” دقيقاً يُشرح قضايا الإنسان المعاصر. ومن قلب التزاماتها المهنية والإنسانية لدعم مرضى القصور الكلوي بجهة الشرق، تطل علينا اليوم بهذا الإصدار الجديد الذي يمثل امتداداً لمشروعها الأدبي القائم على رصد تحولات المجتمع واستكشاف القدرة على الصمود والتعافي في وجه انحرافات العالم الحديث.
في “شاشة الأوهام”، تنتقل الدكتورة حدّية من تشخيص الأوجاع العضوية إلى تشخيص الأورام النفسية والعاطفية التي خلفها العصر الرقمي، حيث تستكشف بدقة أشكال الهشاشة الجديدة التي تتشكل خلف بريق الشاشات. ومن خلال حبكة درامية مشوقة، تتابع الرواية مسار امرأة مثقفة وناجحة تجد نفسها منخرطة في علاقة افتراضية تتكشف تدريجياً كأكبر “وهم” تم بناؤه بعناية للتلاعب بمشاعرها. الكاتبة هنا لا تكتفي بالسرد، بل تطرح تساؤلات عميقة حول آليات التلاعب العاطفي، والوحدة الإنسانية التي تختبئ خلف الاتصال الدائم، والوعود المضللة التي يقدمها العالم الافتراضي. إنها إشكالية “فقدان اليقين” في زمن تآكلت فيه الثقة، حيث تبرز خبرة حدّية الأكاديمية في تحليل التوترات الاجتماعية، مع الاحتفاء الدائم بالقوة الصامتة للإنسان وقدرته على النهوض بعد كل خيبة أمل عاطفية أو وجودية.
هذا العمل، الذي ينضم إلى قائمة إصداراتها المرموقة مثل “إذا وهبنا الله الحياة” و”طريق طويل جداً” وديوانها “على خيط الأحلام”، لاقى صدى واسعاً لدى النقاد والقراء على حد سواء، كونه يلامس جوهر التجربة الإنسانية المعاصرة. وبإصدارها “شاشة الأوهام”، المتوفرة حالياً بنسختيها الورقية والرقمية في كبريات مكتبات المملكة بوجدة والرباط والدار البيضاء، تؤكد انتصار حدّية أن الطبيب الحقيقي هو من يداوي الجسد بالعلم والروح بالكلمة، مقدمةً قراءة اجتماعية ونفسية رصينة لما نعيشه جميعاً في ظل الانفجار الرقمي، وداعيةً في الوقت ذاته إلى التمسك بقيم العدالة والإنصاف الإنساني بعيداً عن زيف “الأوهام” الافتراضية.
