مع اقتراب عيد الأضحى المبارك لعام 1447هـ/2026م، سارعت رئاسة الحكومة إلى إشهار سلاح “التنظيم والزجر” في وجه الفوضى التي تطبع أسواق الماشية كل سنة. القرار الصادر عن رئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش، القاضي بفرض تدابير مؤقتة واستثنائية لضبط مسالك تسويق الأضاحي، حمل في طياته وعوداً بطمأنة المستهلك المنهك قدرته الشرائية، وحماية الكسّاب الذي بات حلقة ضعيفة في منظومة يلتهم أرباحها “الوسطاء والمضاربون”. لكن، وخلف لغة البلاغات الرسمية الصارمة، يكشف النبض الميداني لأسواق الماشية المغربية عن تعقيدات وتحديات بنيوية قد تجعل من إنفاذ هذه القرارات تحدياً حقيقياً على أرض الواقع.
تتأسس الفلسفة التنظيمية للقرار الحكومي الجديد على مقاربة تطويق “العشوائية”؛ فمن خلال حصر عمليات البيع داخل الأسواق المخصصة والمرخصة قانوناً، وفرض “التصريح المسبق” بهوية البائع وحجم قطيعه قبل ولوج السوق، تسعى الحكومة إلى خلق “سجل تتبع” يقطع الطريق أمام المضاربين الطارئين أو ما يعرف محلياً بـ”الشناقة”. هذه الخطوة، المعززة بآليات المنع التام لإعادة البيع داخل نفس الفضاء وحظر التخزين الاحتكاري خارج المسالك الاعتيادية، تهدف نظرياً إلى تجفيف منابع المضاربة وضمان توازن طبيعي وعادل بين العرض والطلب. ولإعطاء هذه التدابير قوة ردعية، لوحت الحكومة بعقوبات زجرية وغرامات مالية، فضلاً عن إمكانية الإغلاق المؤقت لنقاط البيع المخالفة وحجز المواشي والمعدات المستعملة، مراهنة على اليقظة الكاملة للسلطات المحلية والعمومية لتطبيق القانون.
غير أن النزول إلى معترك الأسواق، خاصة الأسبوعية والقروية منها، يظهر الفجوة الواسعة بين صرامة النص والتشابك الميداني؛ فالأسواق المغربية تشتغل وفق أعراف متوارثة وآليات شفهية مرنة يستعصي على البيروقراطية الإدارية ضبطها بالكامل في ظرف أسابيع قليلة. ويرى متتبعون للشأن الفلاحي أن حصر مشكلة ارتفاع الأسعار في “شبح المضاربة” يعد تشخيصاً قاصراً يقف عند ويلاتها دون الغوص في أسبابها الهيكلية. فالكسّاب المغربي يواجه منذ سنوات أزمة إجهاد مائي خانقة وتوالياً لسنوات الجفاف، مما أدى إلى قفزات قياسية في أسعار الأعلاف بمختلف أنواعها، فضلاً عن ارتفاع كلفة المحروقات والنقل. وبالتالي، فإن جزءاً كبيراً من الارتفاع المتوقع في أسعار الأضاحي هو ارتفاع “بنيوي ناتج عن كلفة الإنتاج” وليس مجرد جشع عابر للمضاربين، وهو ما يغفله القرار الذي يركز على التدابير الزجرية دون تقديم حلول موازية لخفض الكلفة الإجمالية للإنتاج.
من جانب آخر، يثير شرط “التصريح المسبق” مخاوف حقيقية من تحوله إلى عبء بيروقراطي ينعكس سلباً على صغار الكسّابين القادمين من مداشر بعيدة، والذين قد لا يملكون الأهلية الإدارية أو الوقت لإتمام هذه الإجراءات، مما قد يدفعهم إلى بيع مواشيهم خارج الأسواق المنظمة وبأسعار متدنية لوسطاء كبار يملكون النفوذ والقدرة على استخراج التراخيص، وهو ما يعيد إنتاج منظومة الريع بشكل مغاير. إن إنجاح المقاربة الحكومية يتطلب، إلى جانب المراقبة الزجرية، حلولاً مواكبة وآنية تدعم صمود الكساب الصغير كإلغاء رسوم الأسواق (المكوس)، وتوفير الأعلاف المدعمة مباشرة في نقط البيع، مع فتح فضاءات بيع نموذجية “من المنتج إلى المستهلك” في المدن الكبرى لقطع الطريق نهائياً على الوسطاء. بدون هذه الحزمة المتكاملة، قد تظل التدابير الحكومية مجرد محاولة لتنظيم واجهة السوق دون القدرة على ضبط عمقه وتوازناته الحقيقية.
