سجلت نسبة ملء السدود في المغرب خلال الفترة الأخيرة تحسناً ملحوظاً أعاد قدراً من التفاؤل إلى المشهد المائي الوطني، حيث بلغت مستويات الملء في الأحواض الشمالية والوسطى، كحوضي سبو واللوكوس، تقديرات تقترب من 75% في بعض منشآتها الكبرى. هذا التعافي الملموس جاء ثمرة للتساقطات المطرية والثلجية المهمة التي عرفتها المملكة خلال الموسم الحالي، مما ساهم في تعزيز حقينة السدود بعد سنوات توالت فيها دورات الجفاف القاسية التي هوت بالمخزون الوطني إلى مستويات حرجة لم تكن تتجاوز في فترات سابقة حاجز 30%.
ويعكس هذا الارتفاع التدريجي في الحجم الإجمالي للمياه المخزنة نجاعة التفاعل مع الواردات المائية الأخيرة، خاصة في ظل التدبير الاستباقي الذي اعتمدته المملكة عبر مشاريع الربط المائي البيني، مثل “الطريق السيار للماء” الذي أثبت فعاليته في تأمين تزويد المدن الكبرى بالماء الصالح للشرب. وقد انعكس هذا الوضع الإيجابي بشكل مباشر على تعزيز الأمن المائي في العديد من الحواضر، بالإضافة إلى تقديم دعم حيوي لقطاع السقي، وهو ما يلقي بظلال إيجابية على القطاع الفلاحي والأمن الغذائي الوطني في ظل ظرفية اقتصادية تتسم بارتفاع الطلب.
ورغم هذه المؤشرات الواعدة والتفاؤل الذي تبثه صور السدود الممتلئة في الشمال، فإن الواقع المائي الوطني يفرض استمرار الحذر واليقظة، إذ تظل بعض الأحواض في وسط وجنوب المملكة تعاني من عجز مائي بنيوي وتأثيرات مباشرة للتغيرات المناخية. إن بلوغ نسب ملء مرتفعة في مناطق معينة يظل مؤشراً إيجابياً للغاية، لكنه لا يلغي الحاجة الملحة للاستمرار في تنويع المصادر عبر تحلية مياه البحر ومعالجة المياه العادمة، مع تكريس ثقافة ترشيد الاستهلاك لضمان استدامة هذا المورد الحيوي وتحقيق أمن مائي طويل الأمد يتجاوز الإكراهات المناخية المتقلبة.

