يواجه الاقتصاد الفرنسي ضغوطاً متزايدة على المستويين المالي والاجتماعي، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تمرير مشروع موازنة 2027 وطمأنة أسواق السندات، بالتوازي مع استمرار الاحتجاجات المرتبطة بتكاليف المعيشة والخدمات العمومية.
وقال وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي رولاند ليسكور، في مقابلة مع صحيفة Financial Times نُشرت الثلاثاء 27 أكتوبر، إن على فرنسا أن تستعيد ثقة أسواق السندات والشركات والمستهلكين، من خلال إقرار موازنة 2027 ومعالجة حالة الغضب الاجتماعي دون زيادة إجمالي الإنفاق العام.
وفي رده على سؤال بشأن إمكانية زيادة الإنفاق لاحتواء الاحتجاجات، شدد ليسكور على محدودية هامش المناورة المالي، قائلاً: «لا نملك المال، لذلك علينا أن نكون مبتكرين»، في إشارة إلى ضرورة إيجاد حلول لا تؤدي إلى توسيع العجز.
وتقترح الحكومة الفرنسية إجراءات مالية بقيمة نحو 43 مليار يورو بين خفض الإنفاق وزيادات ضريبية، بهدف الوصول إلى عجز في حدود 5% من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2027. غير أن تمرير الموازنة يواجه تعقيدات سياسية، في ظل عدم امتلاك الحكومة أغلبية برلمانية مضمونة.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه فرنسا ارتفاعاً في تكلفة الاقتراض. فقد تجاوزت عوائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات مستوى 5%، بينما يبلغ عجز الميزانية نحو 5.4% من الناتج الداخلي الإجمالي، ما يزيد الضغوط على الحكومة لإقناع المستثمرين بقدرتها على ضبط المالية العمومية.
وفي هذا السياق، تسعى باريس إلى تحقيق معادلة صعبة: تهدئة الاحتجاجات الاجتماعية من جهة، والحفاظ على الانضباط المالي من جهة أخرى. ويؤكد ليسكور أن أي إنفاق إضافي ينبغي أن يقابله توفير في بند آخر، بدلاً من تمويله عبر زيادة العجز.
وتتزامن الضغوط المالية مع حالة من التوتر الاجتماعي والسياسي، حيث أثرت الاحتجاجات الأخيرة على النشاط الاقتصادي وثقة المستهلكين والشركات. وتشير معطيات نقلتها Le Monde إلى تراجع النشاط في القطاع الخاص خلال أكتوبر، فيما خُفضت توقعات نمو الاقتصاد الفرنسي لعام 2026 إلى نحو 0.4%.
كما أن الأسواق تراقب عن كثب قدرة باريس على تنفيذ خطتها المالية، خصوصاً أن فرنسا تعتزم إصدار نحو 340 مليار يورو من السندات خلال 2027، وهو ما يجعل استعادة ثقة المستثمرين عاملاً أساسياً في تمويل الدولة بتكاليف يمكن تحملها.
وبذلك تجد الحكومة الفرنسية نفسها أمام اختبار مزدوج: إقناع الشارع بأنها قادرة على الاستجابة للمطالب الاجتماعية، وإقناع الأسواق في الوقت نفسه بأنها لن تسمح للإنفاق والعجز بالخروج عن السيطرة.

