أعاد البلاغ الصادر عن الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، اليوم الخميس 17 شتنبر 2026، بشأن ما وصفه بتداول خبر رفع مستوى العلاقات والتمثيلية مع إسرائيل، قضية التطبيع إلى واجهة النقاش السياسي، في توقيت بالغ الحساسية، لا يفصل عن موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري سوى أيام قليلة.
البلاغ، الذي صدر عقب اجتماع عاجل واستثنائي للأمانة العامة، جدد بشكل واضح موقف الحزب الرافض لكل أشكال التطبيع والعلاقات والاتفاقيات مع إسرائيل، مستحضراً مواقفه السابقة وما تضمنه برنامجه الانتخابي من مواقف مرتبطة بالقضية الفلسطينية.
غير أن القراءة النقدية للبلاغ تطرح سؤالاً أساسياً حول توقيته وطريقة صياغته. فالحزب يتحدث عن «خبر رفع مستوى العلاقات والتمثيلية»، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن هذا المستجد «لم يعلن عنه المغرب رسمياً». وهنا يبرز تساؤل مشروع حول الأساس الذي دفع قيادة الحزب إلى عقد اجتماع عاجل وإصدار بلاغ سياسي في قضية لم يصدر بشأنها، وفق البلاغ نفسه، إعلان رسمي.
ففي القضايا المرتبطة بالسياسة الخارجية، تظل المعلومة الرسمية هي المرجعية الأساسية، بينما قد يؤدي التعامل مع أخبار غير مؤكدة إلى توسيع مساحة التأويل السياسي، خصوصاً في فترة انتخابية يكون فيها كل موقف قابلاً للتوظيف داخل المنافسة الحزبية.
الأكثر إثارة للانتباه أن الحزب، بعد أن خصص بلاغه لقضية التطبيع، دعا مناضليه ومناضلاته إلى عدم الخوض فيما ينشر داخلياً وخارجياً حول الموضوع، والتركيز على مواصلة الحملة الانتخابية والتعريف ببرنامج الحزب وأدائه.
وهنا تظهر مفارقة سياسية واضحة: قيادة الحزب تعتبر القضية بالغة الأهمية إلى درجة عقد اجتماع استثنائي بشأنها، لكنها في المقابل تطلب من قواعدها عدم الانخراط في النقاش حولها. ومن الطبيعي أن يطرح ذلك تساؤلات حول ما إذا كان الأمر يتعلق أساساً بتثبيت موقف سياسي معروف للحزب، أم بمحاولة ضبط الخطاب التنظيمي خلال الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية.
كما أن البلاغ لا يقدم تفاصيل حول الخطوات التي يمكن للحزب اتخاذها في حال تأكد مستقبلاً ما يتحدث عنه من رفع مستوى العلاقات والتمثيلية. فهو يكتفي بتجديد الرفض والتأكيد على ثبات الموقف، دون توضيح ما إذا كان هذا الموقف سيترجم إلى مبادرات سياسية أو برلمانية أو تنظيمية.
ولا يمكن أيضاً فصل البلاغ عن سياقه الانتخابي. فصدوره في 17 شتنبر، أي قبل أيام قليلة من الاقتراع، يجعل توقيته جزءاً من قراءة مضمونه. والحزب نفسه يعيد توجيه مناضليه نحو «واجب الوقت» ومواصلة الحملة الانتخابية، وهو ما يكشف بوضوح أن قيادة الحزب واعية بتأثير هذه القضية على النقاش الانتخابي.
وبذلك، فإن البلاغ يجمع بين رسالة سياسية موجهة إلى الرأي العام، ورسالة تنظيمية موجهة إلى قواعد الحزب. الرسالة الأولى تؤكد استمرار موقف العدالة والتنمية الرافض للتطبيع، بينما الثانية تسعى إلى إبقاء النقاش الداخلي مركزاً على الحملة الانتخابية والبرنامج الحزبي.
وفي المحصلة، فإن النقاش الحقيقي الذي يثيره البلاغ لا يرتبط فقط بموقف العدالة والتنمية من التطبيع، وهو موقف معلن ومتكرر، بل يتعلق أيضاً بكيفية تعامل الحزب مع خبر لم يعلن عنه رسمياً، وبقرار إصدار بلاغ استثنائي بشأنه، ثم دعوة المناضلين في الوقت نفسه إلى عدم الخوض في تفاصيله.
ويبقى الحسم في طبيعة التطور الذي تحدث عنه البلاغ مرتبطاً بالمعطيات والمواقف الرسمية، بعيداً عن الأخبار المتداولة والتأويلات السياسية، خصوصاً أن الأمر يتعلق بملف حساس يتجاوز الحسابات الانتخابية ويرتبط بالسياسة الخارجية للمملكة.

