أطلق المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، تحذيراً قوياً بشأن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن هذه التكنولوجيا قد تتحول إلى «تهديد وجودي للبشرية» إذا لم يتم وضع ضمانات صارمة لتنظيمها والحد من مخاطرها.
وجاء تحذير تورك، اليوم الاثنين 7 شتنبر، خلال الكلمة الافتتاحية للدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، حيث أكد أن العالم يواجه تهديدات غير مألوفة وغير مسبوقة لحقوق الإنسان، في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة.
وقال المفوض السامي إنه يشارك خبراء القطاع مخاوفهم من احتمال أن يشكل الذكاء الاصطناعي المتطور خطراً وجودياً على البشرية، داعياً إلى «جهد شامل» لوضع ضمانات قوية تتعلق بسلامة الذكاء الاصطناعي وأمنه «قبل فوات الأوان».
وتساءل تورك عن مدى جدية الخطوات المتخذة حتى الآن لتنظيم الذكاء الاصطناعي، قائلاً إن هناك اعترافاً واسعاً بالحاجة إلى حكامة هذه التكنولوجيا، لكن الإجراءات العملية لا تزال غير كافية. وحذر من أن أي تأخير في وضع قواعد واضحة قد يخدم مصالح شركات التكنولوجيا العملاقة والجهات التي تمتلك نفوذاً واسعاً في هذا المجال.
ولم يخف المسؤول الأممي قلقه من تركز القوة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في أيدي عدد محدود من الأشخاص والشركات، معتبراً أن الحديث عن الحرية المرتبطة بهذه التكنولوجيا يجب أن يقابله نقاش جدي حول كيفية استخدام البيانات الشخصية وحمايتها.
وتتجاوز مخاوف الأمم المتحدة الجوانب التقنية لتشمل تأثير الذكاء الاصطناعي على مجموعة واسعة من حقوق الإنسان، من بينها الحق في الخصوصية، والتمييز في التوظيف، والوصول إلى المعلومات، ومستقبل الديمقراطية، فضلاً عن التداعيات البيئية المتزايدة المرتبطة بالبنية التحتية التي تقوم عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، يبرز الاستهلاك المرتفع للمياه والطاقة الذي تتطلبه مراكز البيانات لتشغيل أنظمة الحوسبة المتقدمة وتبريد المعدات. وتشير تقديرات Rystad Energy إلى أن مراكز البيانات حول العالم استهلكت نحو 222 مليار لتر من المياه لأغراض التبريد خلال سنة 2025، مع إمكانية ارتفاع الرقم إلى حوالي 644 مليار لتر سنوياً بحلول 2030 إذا لم تتحسن كفاءة استخدام المياه بشكل كبير.
ويعكس هذا التحذير تنامي النقاش الدولي حول ضرورة تحقيق توازن بين الاستفادة من الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي وبين حماية الإنسان والبيئة. فبينما يمكن لهذه التكنولوجيا أن تساهم في تطوير الطب والتعليم والاقتصاد والبحث العلمي، فإن غياب ضوابط فعالة قد يفتح الباب أمام مخاطر مرتبطة بالخصوصية، والتضليل، والتمييز، والأمن، وتركيز القوة التكنولوجية.
وتأتي تصريحات تورك في وقت تتسابق فيه الحكومات والشركات العالمية لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر قوة، بينما لا تزال القواعد الدولية المنظمة لهذه التكنولوجيا في طور التشكل.
وبالنسبة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، فإن الرسالة تبدو واضحة: سرعة تطور الذكاء الاصطناعي يجب أن تقابلها سرعة مماثلة في وضع قواعد السلامة والحكامة، حتى لا تتحول التكنولوجيا التي يُنظر إليها كأداة لتغيير العالم إلى مصدر تهديد للحقوق والحريات والإنسان نفسه.

