لا يمثل عيد الأضحى في مدينة فاس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو تظاهرة ثقافية تتجلى فيها أسمى صور الرقي والارتباط بالموروث المغربي الأصيل، حيث تبدأ الاستعدادات في العاصمة العلمية قبل العيد بأسابيع من خلال حركية دؤوبة في أسواق المدينة القديمة، مثل “سوق الرصيف” و”باب الفتوح”، لاقتناء أجود أنواع “العطرية” الفاسية والأواني الفخارية والنحاسية التي لا تكتمل المائدة الفاسية بدونها.
وفي صبيحة العيد، يبرز التمسك بالهوية من خلال الأناقة الفاسية المعهودة؛ إذ يتوجه المصلون نحو المصليات بالجلابيب والبلغة التقليدية، ليعودوا بعد ذلك إلى منازلهم لمباشرة شعيرة الذبح وسط أجواء عائلية يطبعها “التهليل” والبهجة. وتعتبر مائدة العيد الفاسية مدرسة في فن الطبخ، حيث تتفنن النسوة في إعداد طبق “المروزية” الشهير الذي يمزج بين الملوحة والحلاوة بمهارة فائقة، بالإضافة إلى تحضير “القديد” و”الخليع” الفاسي الذي يعد علامة مسجلة للمدينة، مع الحرص على أن يكون “بولفاف” هو سيد الوجبة الأولى بعد الذبح.
وإلى جانب البعد الاحتفالي، تظل قيم التكافل الاجتماعي هي المحرك الأساسي للعيد في فاس، حيث تفتح البيوت أبوابها للأهل والجيران في تجسيد حي لـ “صلة الرحم”، مع الالتزام بتوزيع حصص من الأضحية على المحتاجين، مما يجعل من العيد لوحة إنسانية متكاملة تجمع بين القداسة الروحية والجمالية الاجتماعية التي تميز “فاس” عبر العصور.

